في 2 مارس/ آذار 2024، شنّت الطائرات الإسرئيلية غارة على بيت رانيا أبو عنزة الواقع بمدينة رفح، وقتلت زوجها وطفليها التوأم اللذين وُلدا أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، فظهرت في فيديو وهي تودعهم وتقول: “راحت الحياة راحو.. رحت يما يا قلبي.. وزوجي راح.. مش خسارة في ربنا”.ما يزيد عن 10 أعوام ورانيا تنتظر أن تصبح أمًّا، حاولت زراعة الأنابيب مرتين وفشلت، لكن الثالثة نجحت لتنجب توأمًا، وسام ونعيم، فلم تسعها الدنيا من فرحتها، لكن لم تطل سعادتها طويلًا، قتلهما الاحتلال الإسرائيلي وهما عمرهما 5 أشهر.
تتحدث رانيا عن يوم استهدافهم: “أيقظني زوجي الساعة العاشرة مساء لأرضع طفلي الذي كان يبكي، أرضعته ثم عدت للنوم، وبعد ما يقارب الساعة شعرت بصوت انهيار للجدران وتطاير الحجارة، فاستيقظت أقول: “ولادي ولادي”، وطلبت من المنقذين أن يخرجوني وينقذوا أطفالي، فأخذوني للمشفى وأنا مغمى عليّ، واستيقظت هناك أسأل عن عائلتي فأخبروني أنهم في العمليات، كل ما أردته حينها أن يبقوا أحياءً”.
لم يطل طويلًا انتظارها بأمل، جاءها الخبر سريعًا: “استشهدوا كلهم”، فردّت: “الحمدلله”، وبعد الفجر بقليل أخذوها لوداع زوجها والتوأم نعيم ووسام، فتكمل: “كانوا على الأرض بجانب بعضهم البعض، لم أعرف من أودع أولًا، قدمي ساقتني إلي طفلي، حضنتهما وقبلتهما كثيرًا وأنا أبكي، فهما كانا الأغلى في حياتي، ويوم مجيئهما في 13 أكتوبر/ تشرين الأول كان بمثابة دخول أول فرحة لقلبي لكني لم أفرح مطولًا هل كان حدسك يخبرك أن شيئًا سيّئًا سيحدث؟ تجيب: “أول ما ولدت كان في خوف بقلبي مش عارفة أتخلص منه طول الحرب وأنا خايفة، لكن كل ما كانوا يكبروا يوم كنت أفرح، بس برضو خايفة لحد ما راحوا كلهم وسابوني”.
كان زوجها حريصًا أن يناموا سويًا بالمكان نفسه، وكان يقول: “إن بنموت بنموت سوا احنا الأربعة محدش يتحسر على التاني”. عاشت معه أعوام عديدة، حاربا بكل السبل لأجل الحصول على طفل،وتروي رانيا: “بعد استشهادهم صلوا عليهم صلاة الجنازة في مشفى أبو يوسف النجار، وأخذوهم للدفن، كنت معهم بالمقبرة طلبت أن أضعهم بنفسي بالقبر لكنهم رفضوا، ووضعوهم بأحضان والدهم في قبر واحد”.
بيديها العاريتين ظلت الأم تبحث طويلا بين الركام، في محاولة لإنقاذ ملابس كانت تحلم بأن يرتديها نعيم ووسام، ليظهرا في أبهى حلة خلال عيد الفطر المقبل، وبعد ساعات من بحث شاق ومؤلم نفسيا، عثرت أخيرا على ملابس صغيريها الجديدة، وقد كُتب اسم كل منهما على ملابسه.. فهذه ملابس نعيم، الملقب بـ"أبو الورد"، وتلك ملابس شقيقته وسام.
وهي فوق أطلال منزلها المدمر وعيناها تتلألآن بالدموع، قالت رانيا "هذا بيتي المدمر، كنا نائمين عندما تم قصف المنزل"، وبحسرة أضافت: "لم أتخيل قط أن أرى زوجي وأولادي يستشهدون، فقد قضينا (أنا وزوجي) سنوات ممتعة وجميلة مليئة بالذكريات السعيدة"، وتابعت: "لم أسمع دوي انفجار عند القصف، لكن وجدت نفسي تحت الركام الذي سقط على زوجي وأولادي أيضا"، الأم شددت على أنها لم تتمكن من الاستمتاع بوقت كافٍ مع طفليها، اللذين أنجبتهما بعد 11 عاما من الشوق والانتظار،ولطالما تمنت أن يمر أول شهر رمضان وأول عيد فطر ورضيعاها في حضنها، وأن يرتديا الملابس الجديدة في براءة وفرح.
بعد رحيل عائلتها تعيش رانيا في خيمة، وتعاني مرارة النزوح وحدها، وفي الليل الطويل تبقى تتخيّل صغيرَيها لو كبرا في أحضانها كيف ستكون أشكالهما. وتروي أنها كل ليلة تتنقل بين صورهم واحدة تلو الأخرى، وتشاهد الفيديو الخاص بها الذي انتشر في الإعلام وهي تقول: “صورلي هالقمر أمانة صورلي.. يسعد عينه أبو الورد.. رحت يما يا قلبي.. رحتي يا سوسو.. الله يسهل عليكم، والله ما شبعت منهم، مين بدو يعوضني راحوا مع أبوهم”.