hero image
سير الشهداء
القصة العامة: قتلوا براءة يوسف

أبيضاني وحلو وشعره كيرلي

يوسف محمد حميد أبو موسى
مجموعة قصصية
سير الشهداء

تجلس روان حسن مع أطفالها لمشاهدة التلفزيون في صالون منزلهم بحي الأمل في مدينة خان يونس، وفيما كان بالها مشغولًا عند زوجها الطبيب محمد أبو موسى الذي يعمل في مشفى ناصر بخان يونس، إذ بصاروخ إسرائيلي غادر يهجم على المنزل، فيقتل ويجرح. كان ذلك منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

تتحدث روان عن ذلك اليوم: “كنا ننتظر آذان الظهر لنصلي ثم نأكل معًا، وفجأة قطع الصمت أصوات حجارة تتطاير، لم أسمع الصاروخ وهو يسقط، فقط شممت رائحة الغبار وشعرت بثقل على جسدي، ولم أعد أرى أي شيء، كانت الدنيا مظلمة تمامًا أمامي ونحن في عز الظهيرة، ظننت أولًا أنني أحلم ثم سرعان ما أدركت أننا قُصفنا وأنا تحت حجارة البيت الإسمنتية الآن”.

وفي الوقت ذاته، انقبض قلب محمد زوجها وهو يعالج الجرحى في المشفى، سمع صوت القصف لأن منزله قريبًا من مكان عمله، فراح يركض في الاستقبال يبحث عن الجرحى الجدد أو الشهداء، يسأل من حوله: “بيت مين انقصف؟”، في البداية لم يجب أحد لكن سرعان ما قالوا: “بيت أبو موسى”.تضيف روان: “كان محمد ينتظرنا في الاستقبال بعدما علم بقصف المنزل، فرآنا أنا وجوري وحميد في حالة صعبة، لكن يوسف آخر العنقود مفقود، كان البحث عنه صعبًا بالنسبة إليّ، لم أستوعب أن ابني المدلل ضائع في هكذا حالة، ركضت مع زوجي لنبحث عنه في أروقة المشفى بين الإصابات الجديدة أوصفه لهم تمامًا كما هو: “أبيضاني وحلو وشعره كيرلي”، كانت تلك الدقائق الأصعب في حياتي وكل أملي أن يكون حيًا يرزق”.

في لحظات البحث عن يوسف الذي يبلغ من العمر 7 سنوات، كان أحدهم يصور المشهد بالكامل لينشر لاحقًا لوسائل التواصل الاجتماعي، ويبكي الجميع مع روان وهي تقول: “أبيضاني وشعره كيرلي”.. دقائق طويلة من البحث والأم لديها أمل بأن يوسف بخير، سألت كل من جاء بوجهها هي وزوجها، فظهر مصور صور الحدث ليُري والده صور على هاتفه فيردّ باقتضاب: “اه هوا”، وصوت والدته يعلو: “هواا!.. يمكن مش هوا!”.

وفي ثلاجة الموتى رآه والده أولًا مسجّى بجانب أولاد عمّه الاثنين/ وزوجة شقيقه التي تعرّف عليها زوجها بصعوبة كونها أضحت أشلاء، وكل ما قاله حينها: “الحمد لله وحسبي الله ونعم الوكيل”.

أما روان، أمه، انهارت وبكت كثيرًا، فتحكي وهي تسترجع ذلك اليوم: “بعد بأسبوع من تعبي وعدم تصديقي أن يوسف قد رحل، جاءني محمد وهو يريد مني أن أشاهد الفيديو الذي انتشر بالإعلام ودعوات الناس التي تدعو لنا بالصبر، لم أستطع أبدًا ورفضت، وبعد 6 أشهر من استشهاده شعرت أنني بحاجة لأن أرى ذلك الفيديو، فشاهدته وشعرت وقتها أن يوسف استشهد اليوم، ودخلت في نوبة بكاء كثيفة”.

وبعدها أضحت روان تشاهد فيديو يوم البحث عن يوسف بالمشفى، وكلما شاهدته يدبّ الحزن في قلبها من جديد كأنه أول مرة: “بحس أني مقهورة كل ما أشوفه، بس بهونها على حالي أنه بمكان أحسن، وهاد قضاء وقدر، وبهون عليا أنه يوسف صارت كل الناس تعرفه وبدعولنا بالصبر، وأنا سميته “عزيز العالم” الله يرحمه”.تخبرنا روان عن الذكرى الأخيرة مع يوسف يوم الاستهداف: “قبل قصفنا بوقت قليل دخل يوسف للاستحمام وحده على غير العادة، فأنا بالعادة أرافقه في كل المهام حتى الصغيرة منها، فخرج وهو ينشّف شعره، قلت له: “يوسف أنت شارب الشامبو”، فضحك، كانت رائحته جميلة جدًّا يومها، بهيًا جميلًا كعادته، فجلسنا سويًا الجلسة الأخيرة حتى قتلته “إسرائيل” وحرقت قلبي عليه”.

لم تنسَ والدة يوسف حينما حدث قصف قريب وكان الصوت مروع جدًّا، فاستيقظوا جميعًا، فحضنها يوسف قائلًا: “ما تخافي أنا جنبك، نامي”، مع أنه يخاف جدًّا من أصوات الغارات لكنه كان يقول مكابرًا: “أنا مبخافش منهم”.

وعن أحلام يوسف التي قتلتها “إسرائيل”، تكمل روان: “كان يحلم أن يصبح لاعب كرة مثل ميسي ورونالدو، وفي أحيان أخرى يقول أريد أن أصبح طبيبًا مثل أبي، أما أنا كل ما كنت أحلمه أن أراه بخير وصحة وفي أعلى المراتب ويحقق كل أمنياته”.

وعن علاقة يوسف بأبيه، تقول روان: “محمد كان عندو قوانين للبيت لكن مع يوسف كل الممنوعات بتزول، كان متعلق فيه جدًّا، ياخده معه على المشفى بأوقات دوامه، مشفتش أب أحن من محمد على ولادنا، هو أب رايق جدًّا وحنون”.

تشعر روان أن يوسف معها بكل خطوة في حياتها، مرَّ عام على الفقدان وما زالت هي وأشقاؤه يقولون: “لو كان يوسف موجود كان صار كزا وكزا”. كانت تجمعه علاقة وطيدة بأخته الكبرى جوري (12 عامًا) وبشقيقه حميد (8 أعوام)، فكانا يفعلان كل شيء معًا، يخبر حميد والدته: “لو يرجع أخويا كمان مرة بديش ألعب مع حد غيره”.

تمرّ الحياة ثقيلة على روحها، كلما ذكرت اسمه تبكي، بمجرد أن تضع رأسها على الوسادة ليلًا يأتي لعقلها شريط الذكريات بالكامل، تقول: “مرَّ عامين على الحادثة لكني كل ليلة أذكرها وأخاف جدًّا أن أستيقظ من نومي ولا أجد أولادي أو أتعرض لبتر في الأطراف، لا قوة لدي أن أتعرض لنفس الموقف مرة أخرى”