في واحدة من أوجع حكايا الأسرى المحررين في صفقة التبادل قبل أيام، تنفس الأسير محمود أبو فول الحرية لكنه لم يرها، حيث خرج من سجون الاحتلال الإسرائيلي لا يحمل سوى آثار التعذيب على جسده، وعينين مطفأتين إلى الأبد، خرج الشاب العشريني إلى النور دون أن يعرفه، وعانق والدته دون أن يبصر وجهها، حرّ لكن بألم مقيم، على كرسي متحرك، بقدم واحدة وبصر مفقود وذاكرة مثقلة.
في 27 ديسمبر/ كانون الأول 2024، اعتقلت قوات من الجيش الإسرائيلي أبو فول من على سرير المرض يتلقى العلاج بـ"مستشفى كمال عدوان" بمحافظة شمال قطاع غزة، بعد اقتحامها له واحتجازها المرضى والطواقم الطبية، ورغم تردي وضعه الصحي آنذاك، تعرض للاعتقال وخضع للتحقيق الإسرائيلي الذي تخلله "التعذيب والضرب والإهانة والشتم"
فقد أبو فول بصره في غرف التحقيق بعد أن لفق له ضباط المخابرات تهما لا صلة له بها، ويقول "طلبوا مني أن أعترف بتهم لا أساس لها من الصحة، وعندما رفضت انهالوا على رأسي ضربا حتى فقدت الوعي، ولما أفقت حاولت فتح عينيّ مرارا، لكنني لم أرَ شيئا، كل شيء كان أسود، فأدركت أني صرت أعمى"، لم يتوقف تعذيبه الجسدي والنفسي عند ذلك، ففي أقبية التحقيق أيضا كسر الضابط عموده الفقري وعظام قفصه الصدري، وحُرم من العلاج والجراحة اللازمين حتى تدهورت حالته الصحية، لتضيف إسرائيل لجسده خسارة جديدة، كان أولها ساقه المبتورة التي فقدها قبل سنوات في عدوان سابق على غزة، لم يصدّق كلام السجان بأن اسمه ضمن قوائم الأسرى المقرر الإفراج عنهم، فظنها إحدى خدع التحقيق تماما ككذبة تصفية عائلته التي أخبره بها المحقق ونفاها له أحد الأسرى الذين وصلوا إلى السجن مؤخرا، لكن رجاء واحدا كان يجتاح تفكيره "ليتني أستعيد بصري للحظة فقط لأراهم".